تجربه سعيد عقل

غيًب الموت قبل أشهر الشاعر اللبناني المبدع سعيد عقل، وهو لمن لم يسمع عنه شاعر كبير نظم بالفصحى واللبنانيه، وغنًت قصائده فيروز وعبد الوهاب. ومن اشعر قصائده “يارا” و”بحبّك ما بعرف”، كما انه هو صاحب القصيده المشهوره “اردن” التي مطلعها:

 

نبت السيوف وحدّ سيفك ما نبا أردن أرض العزم أغنية الذبى
لك شوكه ردّت الى الشرق الصبا في حجم بعض الورد الا انه

 

وهو ايضا العقل المبتكر وراء التجربه اللغويه الفريده:

 

لاعب الريشة و هو و أضفر العمر ورود
و هو لي من ليس يهوى لم يزر هذا الوجود
لك هذا الريح عود و الغمامات وتر
دع تبددك الجرود و يجمعك القمر

 

اما احب قصائده على قلبي، فهي بالتأكيد “من روابينا القمر” التي مطلعها:

 

جاءه امله خبر من روابينا القمر
ودمى الحسن الاخر جايلته رندلى
حافيا فوق الزهر طالما فاجأنه
نزوات لا تذر مزّقت من ثوبه

 

وقد كان عقل فضلا عن نتاجه الشعري من دعاه القوميه اللبنانيه ككيان حضاري منفصل عن المحيط العربي، وقاده ذلك الى الدعوه الى اعتماد اللغه اللبنانيه كبديل عن اللغه العربيه التقليديه. ونحن لسنا بصدد الحكم على اتجاهاته السياسيه او القوميه اللبنانيه او الفكريه بشكل عام. ولكننا نخصص له حلقه كامله هنا لأن نزعته القوميه اللبنانيه دفعته لابتكار نظام كتابه جديد لًلغه اللبنانيه باستخدام الاحرف اللاتينيه.

اليك مقاله عن ابجديه سعيد عقل والتي هي بالفعل فريده من نوعها. وهاهي قائمه بأحرف الابجديه وعلاقتها بالابجديه التقليديه:

وذهب عقل الى اصدار بعض اعداد جريدته “لبنان” بأبجديته المبتكره، وهي جريده محليّه كانت تصدر باللغه اللبنانيه المعاصره:

وبما ان اللغه اللبنانيه منحدره مباشره من العربيه التقليديه “الفصحى”، فإن تجربه سعيد عقل تتقاطع من عربينا من حيث سعيها لتطوير طريقه الكتابه العربيه بلا حدود او قيود او حواجز، فلندرسها اذا ونقف على مواطن القوه والضعف.

اوجه النجاح:

  • اعتماد الحرف اللاتيني فكره ذكيّه، لأنها حققت ثلاثه اهداف مهمّه بضربه واحده:

1. الانتقال الى اتجاه الكتابه العالمي من الشمال الى اليمين، وهو ضروره ملحّه كما فصّلنا في مقال سابق

2. اعتماد نظام الكتابه بأحرف منفصله المعتمد عالميا، وهو ايضا ضروره ملحّه كما فصّلنا في مقال سابق

3. الاعتماد على ابجديه هي الاكثر انتشارا وشيوعا في العالم يضمن الوصول باللغه اللبنانيه الى اوسع نطاق ممكن من المتلقين، بما فيهم اللبنانيون انفسهم فهم بلا شك يتقنون الابجديه اللاتينيه على العموم.

  • الكتابه تطابق اللفظ، بدلا من وراثه الزوائد الكتابيه القديمه التي لا تلفظ مثل الف الجماعه الخ. وهذا يسهل قواعد الكتابه بقدر كبير جدا ويفتح تعلم اللغه على نطاق واسع جدا من الاجانب واجيال المغتربين اللبنانيين.

والسؤال اذا، بما ان ابجديه عقل تتمتع بكل تلك المزايا، لماذا لم تلق اقبالا في المجتمع العربي او حتّى في لبنان؟ ما هي مواطن الضعف في تجربه عقل وكيف يمكننا تجنّبها في عربينا؟

مواطن الضعف:

  • انحسار النطاق على اللغه اللبنانيه الحديثه، وبالتالي انحسار التطبيق على شعب لبنان، وهو نطاق ضيق جدا لا يتعدّى 2% من العرب
  • اقصاء النص العربي حيث ان الكتابه على طريقه عقل لا تصلح الا للنص اللبناني، وفي هذا قصر نظر، لان اللبناني نفسه غير منسلخ عن المحيط العربي، بل هو عربي في الاساس، فهو اذ يقرأ القصيده العربيه (من التراث او من نتاج شعراء الفصحى المعاصرين) يحتاج الى ابجديه تحتوي اللغه العربيه عامه لا اللبنانيه خاصه. وما ينطبق على القصيده ينطبق ايضا على الروايه، والمقاله، والنبأ الصحفي في الجريده، والبيان الرسمي في قمه عربيه مشتركه، ونصوص الاتفاقيات والنصوص الدينيه والمدوّنات والمواقع الالكترونيه وهلم جرّا.
  • المسارعه الى تبني نظام الكتابه اللاتيني بمنافعه ومضارّه، بدلا من التأني في استخلاص منافعه وتجنّب مضاره. فنظام الكتابه اللاتيني ليس كاملا او مثاليا، وله عيوب كثيره لا معنى لاستعارتها في ابجديه عقل. خد مثلا قصه تكبير وتصغير الاحرف (UPPER and lower case letter): هو نظام يضاعف عدد اشكال احرف الابجديه دون ان يضيف اي نفع يذكر على الكتابه. نحن في نظام الكتابه العربيه التقليديه لا نعاني من هذا النوع من التعقيد، ولا يوجد داع لاضافته على الكتابه العربيه فقط لان اللغات اللاتينيه ورثت هذا التعقيد من بقايا تراث الامبراطوريه اللاتينيه. ولكن ابجديه عقل تبنت نظام تكبير وتصغير الاحرف لتتضاعف اشكال الاحرف من 29 الى 58
  • وكمثال آخر على تبنّي اللاتينيه على علّاتها، تستعير ابجديه عقل بعض الاحرف اللاتينيه التي ترتبط بأكثر من صوت في الانجليزيه:
  1. حرف G الذي استعاره عقل ليقابل حرف غ العربي، ولكنه في الانجليزيه يوحي بصوتين {Goal vs Gender} احدهما موجود في اللغه العربيه ايضا، مما يجعل الاستخدام {غ->G} مثيرا للارتباك من قبل المتلقي العربي والانجليزي على حد سواء
  2. حرف C الذي استعاره عقل ليقابل حرف ش العربي، ولكنه في الانجليزيه يوحي بصوتي س و ك {cent, cat} وكلاهما موجود في اللغه العربيه.

العربيه باحرف م ن ف ص ل ه

وصلنا المرّه الماضيه الى قناعه بأن كتابه عربينا يجب ان تعاكس اتجاه الكتابه العربيه التقليدي وتوافق اتجاه الكتابه العالمي من الشمال الى اليمين، وسقنا في سبيل ذلك الاسباب والاعتبارات والسياق التاريخي والحضاري العالمي.

دعونا اليوم نتحدث عن اتصال احرف الكلمه الواحده ببعضها البعض في الكتابه العربيه التقليديه.

تحدثنا فيما سبق عن اثر اختراع الطباعه على لغات العالم عبر القرون الخمسه الماضيه، وكيف تحوّرت بسببه معظم انظمه الكتابه العالميه من الكتابه اليدويه بأحرف متصله الى الطباعه باحرف منفصله. الا عددا قليلا من انظمه الكتابه التي لا زالت تكتب بأحرف متصله الزاميه ومنها نظام الكتابه العربيه الحالي.

الكتابه العربيه اذا تنتمي الى مجموعه صغيره من انظمه الكتابه الشاذه بالنسبه لاتصال الاحرف، منها اللغه الهنديه والسنسكريتيه وبعض اللغات الاخرى غير الدارجه.

غير ان الكتابه العربيه تشذ حتّى عن تلك اللغات الشاذه، في ان شكل الحرف العربي يتغير بتغير موقعه في الكلمه، وبحسب الحرف السابق واللاحق له. بمعنى ان اتصال الاحرف في اللغه العربيه يعدو كونه جرّه للقلم من نهايه الحرف الى بدايه الحرف اللاحق (كما هو الحال في اللغات اللاتينيه عند الكتابه اليدويه cursive script)، ويعدو كونه خطا مستقيما افقيا يصل جميع احرف الكلمه ببعضها (كما هو الحال في الهنديه والسنسكريتيه)، بل ان اتصال الاحرف في العربيه يعني ان شكل الحرف، كل حرف، متغير بحسب الاحرف المجاوره.

والحق يقال ان تحوّر شكل الاحرف العربيه بحسب موقعها في الكلمه نظام لن تجد له مثيلا اللهم الا في الكتابه المنغوليه القديمه والتي استُبدلت بنظام كتابه سيريالي عام 1946، وخمسه احرف شاذّه في الابجديه العبريه يتغير رسمها اذا وقعت في نهايه الكلمه.

ولكن النظام العربي (المعتمد في اللغه العربيه ومشتقاتها الفارسيه والكرديه واردو …) اكثر تعقيدا من هؤلاء، فهو بحسب علمي اكثر نظام كتابه تعقيدا من حيث طريقه اتصال الاحرف، ولا اعرف له نظيرا بين كل انظمه الكتابه الحيّه في العالم. فعدد اشكال الاحرف التي يجب على الطفل العربي ان يتقنها حتى يكتب ابسط الجمل العربيه هو 106 شكلا كما في الجدول التالي، مقارنه بالطفل الامريكي الذي يباشر الكتابه بعد تعلم 26 شكلا فقط، ثم يزيد عليها فيما بعد بعض الاشكال التي تختلف بين الاحرف الكبيره والصغيره (UPPER CASE / lower case letters) ليبقى العدد الكلي للاشكال دون الخمسين:

نحن اذا بصدد تعليم ابنائنا في المهجر طريقه كتابه ليست عاديه، بل هي من اصعب طرق الكتابه في العالم اذا لم تكن اصعبها على الاطلاق! لا ازال اتذكر تجربتي الشخصيه في بدايات تعلم اللغه العربيه. اذكر ان حصه اللغه العربيه في الصفين الاول والثاني الابتدائيين كانتا تركزان بالكامل علي اشكال الحروف، وقواعد اختيار الشكل المناسب في المكان المناسب. انا ورفاقي في الدراسه تكبدنا مشقه كبيره لتعلم تلك القواعد.

بالمقارنه فأن ابنتي انتهت من اشكال الحروف في مرحله الحضانه، وتفرّغت في الصف الاول للكلمات و المفردات والمعاني… كذلك خدمها اجدادها الاوائل عندما اعتمدوا نظام الطباعه باحرف متباعده بدلا من الملتصقه فأورثوها لغه سهله الكتابه.

تعالوا نتخيل عالما افتراضيا لم يتخلف فيه العرب عن ركب الحضاره اثناء القرون الخمسه الماضيه. بالتأكيد كانوا سيتبنون اختراع الطباعه في اسرع وقت، ويتركون نظام الاحرف المتلاصقه سريعا والى غير رجعه. ك نً ا   ع ن د ه ا   س ن ك ت ب   ه ك ذ ا.

هي نقله كانت ستبدو ثقيله على مدى جيل او جيلين ثم تصبح هي المعتمده والعفويه، تماما كما استثقل ثمه جيل عربي ابتكار نقاط الاعجام، وجيل اخر ابتكار حركات الاعراب، ثم اصبحت هذه وتلك مع الزمن من لوازم الكتابه لا غنى لنا عنها. كان جيلنا سينشأ على لغه مكتوبه ه ك ذ ا فيتعلمها بسهوله تماما كما تتعلم ابنتي الكتابه الانجليزيه في مرحله الحضانه لتتفرغ في سنين الدراسه الابتدائيه الاولى لدراسات اكثر فائده وتشويقا من نظام كتابه معقد باض عليه الزمان وأفرخ!

لنعلّم اولادنا وبناتنا في المهجر اذا طريقه كتابه عربيه لا تتجاوز في الصعوبه انظمه الكتابه الحديثه العالميّه السائده:

كتابه عربينا تخالف نظام الكتابه العربيه التقليدي بأحرف متلاصقه، وتعتمد نظام الكتابه العالمي بأحرف منفصله

اتجاه الكتابه

منذ القدم والى ان بزغ فجر عصر تكنولوجيا المعلومات الحديث، كان اتجاه الكتابه غير ذي شأن، وبطبيعه الحال تنوعت اتجاهات الكتابه بتنوع الحضارات. فكانت بعض اللغات تكتب من اليمين الى الشمال مثل الاراميه وبناتها اليهوديه والعربيه والسريانيه والمندائيه، وكتابه Hangul في كوريا، والكتابه السامريًه القديمه. وكانت بعض اللغات الاخرى تكتب من الشمال الى اليمين كاللاتينيه وبناتها، ولغات جنوب اسيا كالهنديه والسنديه والسنسكريتيه ولغه Nepal.

حتى ان الكثير من اللغات القديمه كانت تجمع الاتجاهين، فتنقش على الحجر سطرا من اليمين الى الشمال فسطرا بالعكس من الشمال الى اليمين. ومن الامثله على تلك الطريقه الغريبه في الكتابه لغه اهل سبأ في اليمن، واللغه الفينيقه واليونانيه القديمه. ولعل الدافع وراء ذلك النظام العجيب في الكتابه يمليه واقع تكنولوجيا المعلومات البدائي في تلك العصور: فالكتابه كانت تنقش على احجار ضخمه تستعمل كجدران للمعابد والقصور، وكان لا بد للقاريء الذي يقف قريبا من الجدار ان يمشي من اول السطر الى اخره حتى يقرأه كله، ثم اذا انتهى منه قد يحتاجه الانتقال الى بدايه السطر الثاني ان يعود ادراجه مشيا على الاقدام، فكانت بدايه السطر في الاتجاه المعاكس لتجنب القاريء مشوارا اضافيا من اول الغرفه الى اخرها بعد كل سطر يقرؤه!

امّا لغات شرق اسيا القديمه فكانت معظمها تكتب بسطور عموديه من الاعلى الى الاسفل، ثم من اليمين الى الشمال. يشمل ذلك نظامي الكتابه في الصين واليابان قديما.

ثم اذا جاء العصر الذهبي لاحفاد اللغه العربيه دفعوا تكنولوجيا الكتابه الى الامام بخطوات متسارعه، حيث طوّروا على ما تعلموه من الحضاره الصينيه فجعلوا تحضيرالحبر وورق الكتب صناعه ممنهجه، وجعلوا نسخ الكتب يدويا حرفه يمتهنها مختصون اكفاء، فنشروا في العالم فن تصنيع المخطوطات على مدى ونطاق غير مسبوقين. فحق لهم بسبب ذلك فرض طريقتهم في الكتابه على حضارات العالم، وظهرت انظمه كتابه كثيره توافق العربيه في اتجاه الكتابه من اليمين الى الشمال، مثل الفارسيه، وكتابه بشتو الافغانيه، وكتابه Punjabi في باكستان، وكتابه Malay القديمه في جزر اندونيسيا، والتركيه العثمانيه وغيرها وغيرها.

كذلك يكون اثر اهل الحضاره المتفوقه على العالم. فالعرب آنذاك بالرغم انهم لم يفرضوا على العالم عنوه اتجاه الكتابه من اليمين الى الشمال، الا انهم قدموا للعالم تكنولوجيا جديده في تصنيع الكتب والمخطوطات تتطلب الانصياع لنظام الكتابه العربيه حتى يسهل تطبيقها. وبالفعل انصاعت الكثير من الحضارات للنظام الموحد الجديد حتى تحصل لها الفائده فتلحق بركب تكنولوجيا المعلومات.

ثم غرق احفاد اللغه العربيه في سبات عميق وسطع نجم احفاد اللغه اللاتينيه في اوروبا الغربيه والامريكيتين، فجاءت على ايديهم ثوره تكنولوجيا المعلومات في القرون الخمسه الماضيه بدءا بآله الطباعه في المانيا والتي خصصنا لأثرها على العالم مقالا سابقا، مرورا بالتلغراف ولغه Morse Code المبنيه على اللاتينيه، ثم تكنولوجيا حمل النصوص على امواج الراديو (Radio Transmission)، ثم الآله الطابعه (Typewriter) ثم اول آله الكترونيه (Turing Machine) ثم اول جيل من اجهزه الكمبيوتر العمليه (Main Frame) ثم تكنولوجيا الطباعه الالكترونيه (Printers) ثم ثوره الكمبيوتر الشخصي (PC) ثم تكنولوجيا الاجهزه الذكيه التي عشناها ولا نزال نعيشها في حاضرنا نحن جيل اليوم.

إزاء ذلك السيل الجارف من الابداعات المذهله والتي تعتمد اجمالا على نظام الكتابه اللاتينيه، كان لا بد للكثير من حضارات العالم ان تسجد وجلا وتغيرانظمه كتابتها لتوافق الكتابه اللاتينيه من الشمال الى اليمين. وإليك بعض الامثله على لغات خضعت لهذا التغيير عبر القرنين الماضيين فقط:

  • اللغه الصينيه والتي كانت تكتب عموديا من الاعلى الى الاسفل. ظهرت اول مخطوطه باتجاه الكتابه اللاتيني عام 1815، حتّى اعتمدت الدوله اتجاه الكتابه اللاتيني رسميا عام 1956. المصدر
  • اللغه اليابانيه والتي كانت تكتب عموديا من الاعلى الى الاسفل. انتقلت الى اتجاه الكتابه اللاتيني في عهد Meiji بين 1868 و 1912. المصدر
  • اللغه الكوريه والتي كانت تكتب عموديا من الاعلى الى الاسفل. انتقلت اول جريده الى اتجاه الكتابه اللاتيني عام 1988 ثم ساد ذلك النظام تماما في التسعينات. المصدر
  • اللغه التركيه والتي كانت تكتب بأحرف عربيه من اليمين الى الشمال ثم انتقلت الى النظام اللاتيني عام 1928. المصدر
  • اللغه الاندونيسيه Malay والتي كانت تكتب بنظام الكتابه Jawi بأحرف عربيه، ثم انتقلت رسميا الى نظام Rumi الذي يتبع النظام اللاتيني من الشمال الى اليمين. المصدر
  • اللغه المنغوليه والتي كانت تكتب عموديا بنقش حروفه متصله كالعربيه، حتى اعتمدت الدوله نظام الكتابه السريالي Cyrillic عام 1946 وهو يكتب من الشمال الى اليمين.

وبعد مرور قرنين من الزمان على هذا الحال، اذا بنا اليوم نعيش في عالم تتبع فيه الغالبيه العظمى من اللغات اتجاه الكتابه اللاتيني باستثناء لغات معدوده اكثرها انتشارا العربيه، والتي لم تعصَ على التغيير بفعل جداره احفادها، وانما بفعل تخلّف الناطقين بها عن الركب لدرجه انهم لمّا يغفلوا بعد لحجم الهوّه السحيقه التي تفصل لغتهم عن حاضر تكنولوجيا المعلومات. او ربّما غفلوا ولم يحرّكوا ساكنا لتدارك الموقف بسبب حاله الخدر الحضاري السائده في العالم العربي المعاصر.

اوشك اليوم ان اجزم انه ليست هناك حضاره متقدّمه واحده في دنيا اليوم تعتمد نظام كتابه يخالف الاتجاه اللاتيني، باستثناء اللغه اليهوديه الحديثه (وهو استثناء وجيه بحاجه لوقفه تأمليه ربما في مقال اخر).

فما هي تبعات الاصرار على اتجاه كتابه معاكس للنظام العالمي السائد؟

هي بلا شك عقبه اضافيه تصعّب على ابنائنا في المهجر قراءه وكتابه العربيه. فهم يولدون وينشأون في عالم تكتب فيه اللغه من الشمال الى اليمين، وبعد ان تتعود عيونهم وايديهم على هذا الاتجاه نرمي على كاهلهم مشقّه تعلّم لغه تعاكس كل ما تعوّدوا عليه في المدرسه والبيت والمطعم الشارع وشاشه التلفزيون والكمبيوتر.

بيد ان العاقبه الاكبر تتمثل في تخلّف الكتابه العربيه عن ركب تكنولوجيا المعلومات، لأن تكنولوجيا المعلومات الحديثه مبنيه ضمنيا على اتجاه الكتابه العالمي السائد، بحيث ان على المبرمج او المهندس او المستخدم ان يتكبد مشقّه اضافيه لدعم اللغه العربيه فقط لأنها تكتب باتجاه معاكس. لذلك اضحت وسائل التكنولوجيا التي تدعم اللغه العربيه هي الاستثناء لا القاعده. والامثله على ذلك كثيره، يعرفها كل من يعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات:

1. تكنولوجيا الصفحات الالكترونيه (web pages)

  • تبرمج الصفحات الالكترونيه باستخدام لغات برمجه (HTML, CSS) تعتمد جذريا على اتجاه الكتابه اللاتيني. وهذا الواقع يكبّد كل من يحاول نشر الكتابه العربيه الكترونيا بمشقّه برمجه استثناءات خاصه فقط للتعامل مع اتجاه الكتابه
  • اليك مقاله تشرح بعض متطلبات تجهيز HTML للتعامل مع الكتابه العربيه. لاحظ ان الموضوع ليس سهلا، بل هو مكلف من ناحيه الوقت والجهد
  • بالاضافه الى هذه المقّيدات في انظمه البرمجه المعتمده، لا يستطيع الناشر العربي ان يستفيد من الابتكارات الجديده غير المعتمده ايضا،  لأنها هذه غالبا لا تدعم الاتجاه المعاكس للكتابه اصلا. فالعرب اذا محرومون من انظمه bootsrap و weebly و squareSpace و pingendo و blocks و joomla و brix.io و wordPress templates و غيرها وغيرها، اللهم الا بعد ان يتجرع العالم هذه الابتكارات ويتعود عليها ويحوّلها الى انظمه معتمده، ثم يفطن احدهم الى اضافه دعم اللغات “المقاصصه” لانها تخالف الاتجاه السائد.

2- تكنولوجيا Word Processing

لا تدعم برامج الكتابه word processors بسهوله الكتابه بالاتجاه العربي، والنتيجه هي ان الكاتب العربي يتكبد مشقه زائده في كتابه اي مقاله باستخدام MS Word، او جدول احصائي باستخدام Excel، او بحث علمي باستخدام LaTex، او رساله الكترونيه باستخدام Apple Mail، اوعرض بياني باستخدام PowerPoint.

اما البرامج التي لا تتخصص في الكتابه فهي في الغالب لا تدعم الاتجاه المعاكس اصلا، والنتيجه ان الانسان العربي في عصر المعلومات كالسمكه في الصحراء، لا يستطيع ان يكتب كلمه عربيه فوق صوره باستخدام photoshop مثلا، او ان يعطي حساباته اسماء عربيه عند استخدام نظام المحاسبه quickBooks، او ان يسمّي غرف المنزل اسماء عربيه عند استخدام نظام المنزل الالكتروني SmartThings، او او او…

3- اما الهواتف الذكيه والاجهزه المحموله والملبوسه فحدّث ولا حرج. فهي بلا استثناء لا تتعاطى مع الكتابه من اليمين الى الشمال في اول او ثاني جيل، ويترتب على ذلك ان المستخدم العربي بحاجه للانتظار نحو عام في المعدّل حتى يستطيع ان يتعاطى لغته الام مع الجهاز الحديث. ينطبق هذا على اجهزه iPhone و iPad و Galaxy و HTC و Surface و Nexus و Kindle و غيرها وغيرها

4- لغات البرمجه

لا يوجد في العالم مترجم لغه برمجه واحد (compiler) يدعم اتجاه الكتابه العربيه. ويترتب على ذلك ان المبرمج العربي محروم من استخدام لغته داخل البرامج التي يكتبها، ولا حتى كرموز للمتغيرات البرمجيه (variable names)


كل تلك العقبات، ما الداعي لها؟ هي من الضروري ان نكتب العربيه بالاتجاه التقليدي؟ ماذا يمنعنا من الانصياع للاتجاه العالمي للكتابه؟ هل هناك قيمه عمليه او معنويه لاتجاه دون اخر؟

عربينا كنظام كتابه جديد، فرصه لاعاده النظر في الصفات الاساسيه للكتابه، ومحاوله لمؤالفه العربيه من العصر الحالي. يترتب على كل ما سبق الخيار التالي:

كتابه عربينا تعاكس اتجاه الكتابه العربيه التقليدي، وتعتمد اتجاه الكتابه العالمي من الشمال الى اليمين

 

ماذا نريد؟

“Throughout, be prepared to defy precedent”
 -from an Apple technical doc for iOS developers

بعد مقدمه مطوّله من المقالات حان الوقت لوضع النقاط على الحروف:

نريد نحن المغتربون العرب ان نورث اولادنا وبناتنا في الغربه اللغه العربيه، ولكن باستخدام طريقه كتابه جديده، معاصره، ومبسطه.

خلصنا فيما سبق الى الاسباب والدوافع التي تدعم ارادتنا في توريث اولادنا وبناتنا في الغربه اللغه العربيه، ثم اقمنا الحجّه فيما تلا على ان تعليم العربيه في المهجر لا يمكن ان ينجح على الطريقه التقليديه وبدون اجراء تحديثات جذريه على اللغه. من ثم استعرضنا في سلسله مقالات كيف ان تطور اللغات مع الزمن هو القاعده لا الاستثناء، وفي مقال اخر كيف ان اروع نتاج الادب العربي بالذات كان على ايدي اجيال لم تتردد في التغيير والتحديث على لغه عصرها، وفي مقال اخر كيف ان طرق الكتابه بالذات كثيره التغير والتبدل مع الزمن، وفي مقال اخير كيف ان الكتابه العربيه بالذات بحاجه ماسه للتحديث بعد ان تخلفت عن ركب قافله تكنولوجيا المعلومات بقدر ثلاثه قرون على الاقل.

تقع المسؤوليه اذا على عاتقنا نحن عرب اليوم للاستعجال في تطوير طريقه الكتابه العربيه بما يجعلها ملائمه لاستهلاك ملايين الاطفال العرب في المهجر، فطريقه كتابه جديده وإن كانت غير مألوفه لنا، قد تكون جسرا بين اجيال المهجر وحضاره اجدادهم، فلعلها بذلك انفع بكثير من طريقه كتابه اصيله لا يكاد يجيدها احد خارج الوطن العربي.

فلنضع اذا اولويات الكتابه العربيه على طريقه عربينا:

  1. كتابه تتوافق مع بديهيات تكنولوجيا المعلومات الحديثه
  2. كتابه سهله التعلم من قبل شخص يتقن الكتابه والقراءه بالانجليزيه خصوصا واللغات اللاتينيه عموما
  3. كتابه لا لبس فيها ولا تتطلب من القاريء التأويل او الاعتماد على السياق
  4. إطار يضمن المحافظه على التراث العربي المكتوب
  5. بمقدار ما لا يتعارض مع الاهداف السابقه، كتابه سهله التقبّل من قبل شخص متعوّد على الكتابه العربيه التقليديه

ولعلنا في الحلقات القادمه ننطلق من هذه الاولويات لنستنبط قواعد كتابه عربينا، فتابعونا!